النووي
41
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
وَأَمَّا مَا يُحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ ، فَهُوَ نِكَاحٌ وَغَيْرُهُ ، أَمَّا غَيْرُهُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ ، فَفِي انْعِقَادِهَا بِالْكَتْبِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الطَّلَاقِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، إِنْ لَمْ يُعْتَبَرِ الْكَتْبُ هُنَاكَ ، فَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ، لِلْخِلَافِ فِي انْعِقَادِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِالْكِنَايَاتِ ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ فِيهَا شَرْطٌ فَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْإِيجَابِ ، وَالْأَشْبَهُ الِانْعِقَادُ . وَمَنْ قَالَ بِهِ ، جَعَلَ تَمَامَ الْإِيجَابِ بِوُصُولِ الْكِتَابِ ، حَتَّى يُشْتَرَطَ اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِهِ . وَفِي وَجْهٍ : لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ، بَلْ يُرَاعَى التَّوَاصُلُ اللَّائِقُ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى هَذَا كُلِّهِ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ ، وَذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِهِمْ ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ قَبِلَ بِالْقَوْلِ ، كَانَ أَقْوَى مِنْ أَنْ يَكْتُبَ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ . وَأَمَّا النِّكَاحُ ، فَفِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ ، وَالْمَذْهَبُ مَنْعُهُ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ ، فَلَا اطِّلَاعَ لِلشُّهُودِ عَلَى النِّيَّةِ . وَلَوْ قَالَا بَعْدَ الْمُكَاتَبَةِ : نَوَيْنَا ، كَانَ شَهَادَةً عَلَى إِقْرَارِهِمَا لَا عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ ، وَمَنْ جَوَّزَ اعْتَمَدَ الْحَاجَةَ . وَإِذَا قُلْنَا : يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ بِالْمُكَاتَبَةِ ، فَذَلِكَ فِي حَالِ الْغَيْبَةِ ، فَأَمَّا عِنْدَ الْحُضُورِ ، فَخِلَافٌ مُرَتَّبٌ . وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِانْعِقَادِ النِّكَاحِ بِالْمُكَاتَبَةِ يَكْتُبُ : زَوَّجْتُكَ بِنْتِي ، وَيَحْضُرُ الْكِتَابَ عَدْلَانِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْضُرَهُمَا ، وَلَا أَنْ يَقُولَ : اشْهَدَا . فَإِذَا بَلَغَهُ ، فَيَقْبَلُ لَفْظًا . أَوْ يَكْتُبُ الْقَبُولَ ، وَيَحْضُرُ الْقَبُولَ شَاهِدَا الْإِيجَابِ ، فَإِنْ شَهِدَهُ آخَرَانِ ، فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ، وَمَنْ جَوَّزَهُ ، احْتَمَلَهُ كَمَا احْتَمَلَ الْفَصْلَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ . ثُمَّ إِذَا قَبِلَ لَفْظًا أَوْ كِتَابَةً ، يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَلَى الْفَوْرِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ . فَرْعٌ كَتَبَ إِلَيْهِ : وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ كَذَا مِنْ مَالِي ، أَوْ إِعْتَاقِ عَبْدِي ، فَإِنْ قُلْنَا : الْوِكَالَةُ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ ، فَهُوَ كَكَتْبِ الطَّلَاقِ ، وَإِلَّا فَكَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ .